في الدروس الخصوصية … بقلم ابراهيم بن صالح

بقلم ابراهيم بن صالح متفقدعام للتربية متقاعد وعضو الهيئة المديرة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان
في 25 مارس 2019  

 
ما فتئت الدروس الخصوصية تثير الجدل بين الوزارة والمدرّسين وأولياء التلاميذ وكثيرون يعمدون إلى مقارنة مدرسة الاستقلال بمدرسة اليوم ويعبرون عن حنينهم إلى الماضي ” الجميل ” وهم يغفلون عن معطيات عديدة تغيرت تغيرا جذريا ولا يدخلونها في اعتبارهم عند تناولهم ظاهرة من الظواهر التربوية مثل الدروس الخصوصية ومن هذه المعطيات الغائبة عن أذهان البعض 
ــ أنّ نسبة التمدرس كانت ضعيفة حتى بعد الاستقلال وأن قانون 1991 جعل التعليم إجباريا إلى سن 16 سنة الأمر الذي أدّى إلى الارتقاء بهذه النسبة إلى حدود 98 بالمئة وهو ما سيترتب عليه اكتظاظ في الأقسام سيكون له أثر بائن في سير الدروس ومنهجية التدريس ودرجة التحصيل ونسبة النجاح:

ـ أن التوجه نحو تعميم التعليم أمر محمود واستبقاء التلاميذ بالمدرسة إلى سن 16 إجراء مطلوب لكنّ لهذا الإجراء ضريبة تتمثل في ارتياد المدرسة من قبل جماهير تلمذية غير متجانسة أكثر من ذي قبل سواء من حيث حاصل الذكاء أو من حيث الفوارق الاجتماعية المؤثرة في سيرورة متابعة الدروس.

ـ أنّ السبب الرئيسي في الانسجام النسبي الذي كان قائما بين تلاميذ المدرسة ” القديمة ” هو الانتقاء الشديد بواسطة عدة امتحانات وطنية ( سيزيام ــ شهادة ختم الدروس الابتدائيةــ جزء1 وجزء2 من الباكلوريا ) وهذه حالة لم تعد قائمة اليوم
ــ أن الدافعية إلى التعلم كانت قوية في السابق لأن النجاح المدرسي كان سبيلا إلى الارتقاء الاجتماعي المضمون حتى لكأن المدرسة تعد كل ناجح يتخرّج منها بشغل محترم ومنزلة اجتماعية مرموقة إلا أنّ اليوم صار لنا تلميذ محبط لأنه يرى ببيته أخا له أو أختا من حاملي الشهادات العليا معطلا عن العمل الأمر الذي يفقده الأمل بالمدرسة أو يضعف من صدقيتها لديه فيفقد التركيز ويضحي محتاجا إلى مساعدات خارجية.

ـ أنّ المدرسة كانت مكتفية بذاتها وأنّ سورها كان يحميها من الدخلاء عليها لها معارفها ولها مراجعها ولها أخلاقياتها وقوانينها بل كانت المدرسة تعتبر نفسها قاطرة التقدم في المجتمع هي التي تفرض قيمها وعلمها وقوانين التعامل معها أما اليوم فقد سقطت جدرانها ومنذ 1989 تاريخ سقوط جدار برلين انفتحت المدرسة على السوق وصارت التربية سلعة من السلع العابرة للقارات كأيّ بضاعة من البضائع وبما أن أساس السوق الحرّة هو المنافسة فإن المدرسة لا تستطيع أن تكون استثناء في هذا السياق الدولي وفي هذه الاختيارات الاقتصادية وعليه فإما الإيمان بالمدرسة وإذاك لا بد لها من اختيارات اقتصادية تلائمها وإما التوجه نحو الاقتصاد الحر وإذاك ينبغي أن تقبل بالبعد التنافسي في التعلم على حساب البعد التضامني الذي كانت تضمنه المدرسة العمومية وهذا مدخل للدروس الخصوصية وللخوصصة عموما.

ـ أنّ الثقافة المدرسية التي تكوّن الشخصية وتفتح الآفاق الذهنية على العالم وتساعد على فهم النفس وفهم الآخرين لم تعد ” بضاعة رائجة بين التلاميذ ” وحلّت محلّها النفعية المدرسية وفي صدارتها الامتحانات فهي قلب الرحى الذي تدور عليه كلّ العلاقات وتبنى عليه كل التمشيات وبما أنّ الأمر على هذه الصفة يصبح من حقّ كلّ عائلة أن تبذل ما في وسعها مادّيا وعلائقيا من أجل الانتصار في هذه ” الحرب الأهلية غير المعلنة ” والدروس الخصوصية أحد أسلحتها لذلك يحسن أن نواجه الواقع بشجاعة وألا نزرع الأوهام في هذا الباب فتذهب الوزارة إلى معالجة الانفصام بين القيم التي تروّج لها البرامج والقيم التي يروّج لها المجتمع.

الحاجة إلى الدعم المدرسي

هذا جميعه نرى أنّه بدلا من التهجم على المدرّسين والتشنيع عليهم لقيامهم بالدروس الخصوصية يحسن أن ننظر إلى الدروس الخصوصية من زاوية الدعم المدرسي الذي يُترجم أحيانا ببيداغوجيا النجاح أو المرافقة التربوية أو حتى ” مدرسة ما بعد المدرسة ” 
صحيح أن هناك من صار مقاولا في الدروس الخصوصية يتمعّش من قلق العائلات على مصير أبنائهم المدرسي وهؤلاء لا تزعجهم قوانين الدولة الزاجرة كثيرا لأنّ لهم أساليبهم الخاصة في كيفية تقديم خدماتهم المدرسية لكنّ الحقيقة التي لا بد من إقرارها هي أنّ المدرسة لا تقدر على تحقيق النجاح لكل التلاميذ وبالتالي يكون الأولياء مضطرين إلى الخضوع لقانون المنافسة من أجل بقاء أبنائهم ضمن الجماهير التلمذية من جهة ولاتقاء شبح البطالة المبكرة من جهة ثانية. فهل ما زلنا نلوم المدرّسين على ما يقدمونه من خدمات تربوية ؟

ماذا يقول المدرّسون ؟

ـ التلاميذ الذين يعانون صعوبات كثيرون وصعوباتهم متنوعة: هناك تلاميذ ضعاف التركيز لسبب من الأسباب كالشرود الذهني بسبب مشاكل عائلية ( خصومات زوجية ـ طلاق ـ يتم ـ فقر مدقع ـ انحراف ـ جنوح ….) وهناك الذين لا يحسنون مراجعة دروسهم ويفتقرون إلى التنظيم والمنهجية في العمل المنزلي وقد يكون التلاميذ من أبناء الزيجات المختلطة الذين تعطلهم لغة من اللغات في تحقيق التواصل والفهم وهؤلاء جميعا يحتاجون إلى مرافقة تربوية خاصة لا تستطيع المدرسة أن توليهم عنايتها لأن التعلمات في المدرسة جماعية أما تعلمات الدعم الإفرادية فليست مدرجة لا في البرامج الرسمية ولا في الدروس الخصوصية المنجزة في المدرسة لذلك لا غرابة أن تجد الأولياء يلحّون إلحاحا شديدا في طلب الدروس الخصوصية لأبنائهم.

ـ وهناك تلاميذ يطلبون الدروس الخصوصية من أجل مزيد التميّز لأنه لا ننسى أن تعميم التعليم والحرص على ديموقراطيته أدى إلى إيقاف جميع التلاميذ على عتبة واحدة الضعيف والمتوسط والموهوب النابه فهل ستنجز الدروس بسرعة واحدة أم بسرعات متفاوتة بنسق واحد أم بأنساق مختلفة ؟ إذن الدروس الخصوصية في بعد من أبعادها ستنصف المتميّزين كي يعبروا عن مواهبهم في مجالات مدرسية أو غير مدرسية كالمناظرات الدولية.


خلاصة القول


أن الكم المعرفي الذي تقدمه البرامج يُعتبر كمّا كبيرا يتجاوز التوقيت المخصص لإنجازها وهذه الملاحظة صالحة لكل البرامج تقريبا وهو أمر يحتاج إلى مراجعة حقيقية وبهذا الإجراء وبالتخفيف من عدد التلاميذ بالفصل الواحد والعمل بنظام الأفرقة في بعض التعلمات مع اتباع البيداغوجيا الفارقية في بعض الحالات تخف وطأة الدروس الخصوصية أما الإجراءات الزجرية فلا نراها أسلوبا ناجعا لمعالجة المسألة.

Ecrit par:

ATAC
L’Association Tunisienne d’Action Culturelle - ATAC est une association, fondée le 11 février 2011, à but non lucratif, elle met en commun des moyens pour faire face aux phénomènes de stagnation et d’inaction en incitant les jeunes à s’engager dans différents domaines : Culturels, Sociaux, Développements et Droits de l’Homme

Laisser un commentaire

Votre adresse email ne sera pas publiée.

Articles en relation

Commentaires récents

Revenir en haut